فى تاريخ الإنسانية لحظات فارقة ، لا تقاس بالزمن ولا تختزل فى المكان ، بل تقاس بعمق أثرها فى الوعى والروح ، ومن بين هذه اللحظات ، تتصدر " الإسراء والمعراج "المشهد بوصفها واحدة من أعظم المعجزات التى شهدتها رسالة الإسلامية ، ليس فقط لأنها رحلة خارقة للمألوف ، بل لأنها كانت نقطة تحول روحية فى مسيرة الدعوة ، أعادت تشكيل العلاقة بين السماء والأرض ، وربطت الإنسان بمصدر النور الإلهي.
عام الحزن قبل معجزة السماء ، فقد وقعت حادثة الإسراء والمعراج فى مرحلة بالغة القسوة من حياة النبى محمد عليه الصلاة والسلام ، فقد شهد العام الذى سبقها وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، رفيقة النبى وسند الدعوة ، كذلك وفاة عمه أبى طالب ، الحصن الاجتماعى الذى كان يحميه من بطش قريش ، وفي الوقت ذاته اشتدت حملات السخرية والتكذيب ، وتضاعفت محاولات الإيذاء النفسى والجسدى ، حتى بلغ الضيق مداه .
فى هذه اللحظة الحرجة ، جاءت المعجزة كرسالة إلهية واضحة ، أن الطريق إلى النصر لا يمر دائما عبر الأرض ، بل أحيانا يبدأ من السماء ، وإن بعد العسر يسرا ، وبعد الألم تكريما ربانيا يعيد للنفس توازنها .
رحلة الليل من مكة إلى القدس فى ليلة مباركة ، أسرى بالنبى محمد عليه السلام من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فى حدث اختصر المسافات ، وكسر قوانين الزمن المعهودة ، ليؤكد أن القدرة الإلهية لا تحدها المقاييس البشرية قال تعالى " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ " فالقدس أرض الرسالات ، فالربط بينها وبين مكة إعلان صريح لوحدة الدين ، وأن الإسلام جاء ليكمل مسيرة التوحيد .
وفي المسجد الأقصى ، صلى النبى إماما بالأنبياء ، فى مشهد رمزى يجسد انتقال القيادة الروحية للعالم إلى خاتم المرسلين ، ويؤكد أن راية الهداية واحدة وإن تعددت الأزمنة والأقوام .
من القدس بدأت الرحلة الأعظم فكان المعراج إلى السماوات السبع ، صعد النبى عليه افضل الصلاه والسلام بصحبة جبريل عليه السلام ، فالتقى بالأنبياء فى كل سماء ، فى مشهد يعكس وحدة الصف الإيمانى عبر التاريخ ، حتى بلغ سدرة المنتهى ، حيث تم فرض الصلاة ، لذلك تميز فريضة الصلاة عن بقية الفرائض بأنها الوحيدة التى فرضت فوق السماوات ، لا عبر وحى أرضى . وهذا فى ذاته دلالة على مكانتها الخاصة ، فالصلاة ليست طقسا شكليا ، بل هى معراج روحي يومى ، يصعد فيه المؤمن بقلبه وعقله إلى حضرة الله.
وفى زمن تتسارع فيه الحياة ، وتزداد فيه الضغوط ، تعود الصلاة لتكون ملاذا نفسيا ، ومصدر طمأنينة ، يعيد للإنسان توازنه الداخلى ، ويمنحه القدرة على الصمود أمام أزمات العصر .
عندما أخبر النبي قريش بما حدث ، انقسم الناس بين مكذب وساخر ، وبين مؤمن ، استغل المشركون الخبر للتشكيك فى الدعوة ، وفرصة للنيل من مصداقية النبى ، لكن المفارقة أن هذه الحادثة نفسها كانت سببا في ترسيخ الإيمان في قلوب الصادقين ، وفى مقدمة هؤلاء كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه ، الذى قال كلمته الخالدة “ إن كان قال فقد صدق ” بهذه العبارة البسيطة ، كتب اسمه فى سجل الخالدين ، ونال لقب “الصديق” ، ليصبح رمزا للثقة المطلقة فى الوحى
فلم تكن حادثة الإسراء والمعراج حدثا روحيا فقط ، بل حملت أبعادا حضارية وسياسية غير مباشرة ، فالربط بين مكة والقدس منح المسجد الأقصى مكانة مركزية فى الوعى الإسلامى ، وجعل الدفاع عنه جزءا من العقيدة لا مجرد قضية جغرافية أو سياسية ، كما أن الحدث أكد عالمية الرسالة الإسلامية ، وأنها لا تنحصر فى حدود الجزيرة العربية ، بل تتجه إلى العالم كله ، حاملة قيم العدل والرحمة والتوحيد ، فبعد أكثر من أربعة عشر قرنا ، لا تزال حادثة الإسراء والمعراج حاضرة بقوة في الوجدان الإسلامى ، لأنها تحمل رسائل متجددة ، من أبرزها أن الأزمات الكبرى قد تكون مقدمات لانفراجات عظيمة ، وأن الإيمان الحقيقى يظهر وقت الشدائد ، وأن الارتقاء الروحى هو الطريق لإصلاح الواقع المادى ، وأن وحدة الأمة تبدأ من وحدة العقيدة
لذلك فان ذكرى الإسراء والمعراج ليس مجرد ذكرى سنوية تحيا بالخطب والاحتفالات ، بل هى مشروع إيمانى متجدد ، يدعو الإنسان إلى أن يصنع معراجه الخاص بالصلاة ، والأخلاق ، والعمل الصالح ، فإذا كانت السماء قد فتحت للنبى فى ليلة ، فإن أبواب الرحمة مفتوحة لكل مؤمن فى كل لحظة .
تبقى هذه الرحلة العظيمة شاهدا على أن الأرض مهما ضاقت ، فإن السماء أوسع .



